العيني

181

عمدة القاري

وتحريك شفيته ولسانه عمل له يؤجر عليه ، وكان يحرك به لسانه عند قراءة جبريل ، عليه السلام ، مبادرة منه ما يسمعه ، فنهاه الله تعالى عن ذلك ورفع عنه الكلفة والمشقة التي كانت تناله في ذلك مع ضمانه تعالى تسهيل الحفظ عليه وجمعه له في صدره ، كما ذكره في حديث الباب . وقال أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ قال الله تعالى : أنا مَعَ عَبْدِي حَيْثُما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بي شَفَتاهُ هذا من الأحاديث التي علقها البخاري ولم يصلها في موضع آخر في كتابه . وأخرجه أحمد بأتم منه ولفظه : إذا ذكرني ، ويروى : ما إذا ذكرني . قوله : أنا مع عبدي هذه المعية معية الرحمة ، وأما في قوله : وهو معكم أينما كنتم فهي معية العلم . وحاصل الكلام أنا مع عبدي زمان ذكره لي بالحفظ والكلاءة لا على أنه معه بذاته ، ومعنى قوله : وتحركت بي شفتاه تحركت باسمي وذكره لي إذ محال حلوله في الأماكن ووجوده في الأفواه وتعاقب الحركات عليه . 7524 حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ ، حدّثنا أبُو عَوَانَة ، عنْ مُوسَى بنِ أبي عَائِشَةَ ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في قَوْلِهِ تعالى : * ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) * قال : كانَ النبيُّ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وكانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فقال لي ابنُ عَبَّاسٍ : أُحَرِّكُهُما لَكَ كما كانَ رسولُ الله يُحَرِّكُهُما ؟ فقال سَعيدٌ : أنا أُحَرِّكُهُما كما كانَ ابنُ عبَّاس يُحَرِّكُهُما ، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ : * ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ) * قال : جَمْعُهُ في صَدْركَ ثُم تَقْرَأُوهُ * ( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ) * قال : فاسْتَمِعْ لهُ وأنْصِتْ : * ( ثم إن علينا ) * أن تقرأه . قال : فَكانَ رسولُ الله إذَا أتاهُ جِبْرِيلُ ، عليْهِ السَّلاَمُ ، استَمَعَ فإذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأهُ النبيُّ كَما أقْرَأهُ . مطابقته للترجمة ظاهرة . وأبو عوانة بفتح العين المهملة الوضاح بن عبد الله اليشكري ، وموسى بن أبي عائشة أبو بكر الهمداني . والحديث تقدم مشروحاً في أول الكتاب ، والمقصود من الباب بيان كيفية تلقي النبي كلام الله من جبريل ، عليه السلام . وقيل : مراد البخاري بهذين الحديثين المعلق والموصول الرد على من زعم أن قراءة القارئ قديمة ، فأبان أن حركة اللسان بالقرآن فعل القارئ بخلاف المقروء فإنه كلام الله القديم ، كما أن حركة لسان ذكر الله حادثة من فعله ، والمذكور وهو الله تعالى قديم ، وإلى ذلك أشار بالتراجم التي تأتي بعد هذا . 44 ( ( بابُ قَوْلِ الله تعالى : * ( وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * يَتَخَافَتُونَ يَتسارُّونَ ) ) أي : هذا باب في قول الله عز وجل : * ( وأسروا قولكم أو اجهروا به ) * يعني : أن الله عالم بالسر من أقوالكم والجهر به فلا يخفى عليه شيء من ذلك . وقال ابن بطال : مراده بهذا الباب إثبات العلم لله تعالى صفة ذاتية لاستواء علمه بالجهر من القول والسر ، وقد بينه في آية أخرى : * ( سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ) * وأن اكتساب العبد من القول والفعل لله تعالى لقوله : * ( وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) * ثم قال عقيب ذلك : * ( أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * فدل على أنه عالم بما أسروه وما جهروا به وأنه خالق لذلك فيهم . وقال ابن المنير : ظن الشارح أنه قصد بالترجمة إثبات العلم وليس كما ظن وإلاَّ لتعاطفت المقاصد مما اشتملت عليه الترجمة ، لأنه لا مناسبة بين العلم وبين حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن ، وإنما قصد البخاري الإشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللفظ ، فأشار بالترجمة إلى أن تلاوات الخلق تتصف بالسر والجهر ويستلزم أن تكون مخلوقة ، وسياق الكلام يأبى ذلك ، فقد قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد بعد أن ذكر عدة أحاديث دالة على ذلك : فبين النبي ، أن أصوات الخلق وقراءتهم ودراستهم وتعليمهم وألسنتهم مختلفة